نبذة عن حياة المؤسّسين
المطران عبد الله قراعلي: هو احد مؤسسي الرهبانية ورئيسها العام الثاني (1699-1716). ولد في حلب في الثامن من أيلول 1672، وتعلم اللغات السريانية والايطالية واللاتينية في مدرسة الخوري بطرس التولاوي، ودرس العربية عند الشيخ سليمان الحلبي. وبعد ان زار الاراضي المقدسة، جاء الى لبنان حيث أسس مع رفيقيه جبرايل حوا ويوسف البتن اول رهبانية منظمة في الشرق، وذلك سنة 1695 في دير مورت مورا –اهدن. لبس الاسكيم الرهباني في قنوبين، في العاشر من تشرين الثاني 1695، وسيم كاهناً بوضع يد البطريرك اسطفانوس الدويهي، في الرابع عشر من ايلول 1696.
عمل الكثير في وضع قوانين الرهبانية الاولى، التي اثبتها البطريرك اسطفانوس الدويهي في 18 حزيران 1700. رُقِّيَ الى الدرجة الاسقفية في 17 ايلول 1716، على ابرشية بيروت، وجعل من دير حراش كرسيه الاسقفي، ترك مؤلفات عديدة، سبعة منها روحية، واشهرها "المصباح الرهباني"، وسبعة ليتورجية، مع الكثير من الاناشيد المقدسة، منها: "بنورك ربنا يسوع نستنير"، "صلاتك معنا"، "بسر قيامة المسيح ربنا"، " يا خبز الحياة"، "يا خالق الاكوان"، وحوالي عشرين افرامية. ترك ايضاً أحد عشر مؤلفاً في القانون أشهرها: "كتاب مختصر الشريعة"، وكتاب "الفتاوى"، وبعض المؤلفات التاريخية، أهمها "مذكرات قراعلي". نمت الرهبانية في أيامه وانضم الكثير من أديار المتوحدين اليها. عُرِفَ بحبه للصلاة والعمل والنسك والتقشف وقداسة السيرة. وقد كانت له اليد الطولى في الاصلاح الطائفي في الكنيسة المارونية. فعمل كثيراً في سبيل التئام المجمع اللبناني ونجاحه، الذي انعقد في دير سيدة اللويزة عام 1736. كما ان عدة رهبانيات شرقية، في أطوار تأسيسها، قد تبنّت قوانين الرهبانية الجديدة. عُرِفَ بقوة شخصيته وتأثيرها في توجيه رهبانه للعمل من أجل نهضة لبنان في القرن الثامن عشر، وذلك في حقل المدارس والزراعة والاقتصاد وصناعة الحرير والحياكة وفن البناء. رقد بالرب في 6 كانون الثاني سنة 1742، بينما كان عائداً من زيارة رعائية. وقد دفن في كنيسة سيدة الوردية-زوق مصبح، وبعد 7 سنوات، اودع قسم من رفاته دير مار الياس الراس، ودير مار يوحنا المعمدان حراش، ونقل القسم الباقي باحتفال الى دير سيدة اللويزة، دير الرئاسة العامة، وذلك بعد 47 سنة من نذره الرهباني، و70 سنة قضاها في خدمة الرب والكنيسة والرهبانية.
   
المطران جبرائيل حوا: هو أحد مؤسسي الرهبانية، ورئيسها العام الاول (1695-1699). ولد في حلب عام 1668، أتى لبنان قاصداً الترهب عام 1694. سيم كاهناً بوضع يد البطريرك اسطفانوس الدويهي، في صيف 1695، ولبس الاسكيم الرهباني في قنوبين في العاشر من تشرين الثاني 1695. سافر الى روما سنة 1701، وفي عام 1707 سافر الى مصر، نزولاً عند رغبة السعيد الذكر البابا اكليمنضوس الحادي عشر الذي كلّفه بمهمة لدى الاقباط الارثوذكس، فردّ احد اساقفتهم الى الكنيسة الكاثوليكية، فكافأه البابا بإعطائه كنيسة ودير القديسين بطرس ومرشلينوس في روما سنة 1707.
وعاد البابا اكليمنضوس الحادي عشر فأوفده سنة 1712 الى لبنان، للفحص في قضية تنزيل البطريرك يعقوب عواد، فاحسن القيام بالمهمة. وفي سنة 1721 قلّده أيضاً، للمرة الثالثة، القصادة الرسولية في لبنان الى أبناء الطائفة المارونية، ليحثهم على ازالة الخصام وتوطيد السلام. فتم الصلح سنة 1722 على يده بين الفئات المتضاربة. سامه البطريرك يعقوب عواد عام 1732 اسقفاً على قبرص. رقد بالرب سنة 1752 في روما وكان له من العمر 84 سنة. يعدّ المطران حوا من مشاهير المؤلفين في الرهبانية. لم يذكر التاريخ يوم وفاته ومكان دفنه.
   
لاب يوسف البتن: هو احد مؤسسي الرهبانية. ولد في مدينة حلب، لبس الاسكيم الرهباني في 15 تشرين الثاني 1695. عيّن رئيساً لدير مار اليشاع-بشري اثناء غياب رئيسه الاب جبرايل حوا سنة 1696، وعين مدبراً عاماً في أول مجمع للرهبانية، الذي إنعقد في 10 تشرين الثاني 1698. وفي 18 حزيران 1700، ابرز الشماس البتن نذوره الرهبانية، وسيم كاهناً في أواخر صيف 1708، عندما أرسل مع ابن أخته، الاب يوسف شاهين، الى روما، ورجع الى لبنان مع الاب جرمانوس فرحات.
ارقد بالرب في 21 تشرين الثاني سنة 1714، في دير مار انطونيوس –قزحيا، بعد 19 سنة من نذره الرهباني، وذلك تحت انقاض صخرة كبيرة سقطت على الدير من الجبل في منتصف الليل، بسبب العواصف والامطار. وكان له من العمر 55 سنة.قال فيه جرمانوس فرحات: "كان رجلاً مملوءاً تواضعاً وجهاداً. وكان مشرفاً على القداسة، لأن نعمة الله كانت تديره. وقد اتقن فضيلتي الصبر والبساطة في الغاية. والنظر اليه يعلّم الفضيلة…"
   
المطران جرمانوس (جبرايل) فرحات: هو الرئيس العام الثالث (1716-1723). إلتحق بالمؤسسين الثلاثة، فأصبح الرابع. ولد جبرايل فرحات في مدينة حلب، في 20 تشرين الثاني 1670، من والدين تقيين أدخلاه باكراً المكتب الماروني المشهور بتثقيف النشء، ثم المدرسة، فتعلّم اللغات السريانية والعربية والايطالية واللاتينية. وقد اتقن قواعد الصرف والنحو والبيان، على يد الشيخ سليمان النحوي المشهور في حلب، وهو بعمر 14 سنة. دخل بعدها مدرسة الشيخ يعقوب الدبسي، ليتقن صناعة البديع والشعر، فوضع كتاباً بعنوان "الارب في علم الادب"، وقد قدمه لاستاذه مفاخراً. ثم درس المنطق والالهيات على يد الخوري بطرس التولاوي الفيلسوف.
وما بلغ مقاماً رفيعاً، حتى صغرت الدنيا في عينيه في الثالثة والعشرين من عمره، فانضم الى سلك الرهبانية سنة 1695، وكانت في أول عهدها. سيم كاهناً في حزيران سنة 1696، في دير مار اليشاع –بشري. وفي سنة 1711، زار روما ثم اسبانيا، حيث تفقّد آثار العرب. وعندما قفل راجعاً بعد سنة الى لبنان، اصطحب معه بعض المخطوطات والكتب النادرة الثمينة. وفي سنة 1716، عقد المجمع العام، إثر انتخاب الاب العام عبد الله قراعلي مطراناً على بيروت، فانتخبه الرهبان اباً عاماً على الرهبانية. وضع خلالها رسالة بعنوان: "الايضاح لرسوم الكمال"، وقد وجّهها الى كل أبنائه الرهبان، يذكرهم فيها بأهم الامور الروحية. في 3 شباط 1719، أرسله المطران عبد الله قراعلي الى دمشق الشام، ليعلّم ويعظ. وهو أول من أنشأ في هذه المدينة شركتي الوردية وثوب السيدة، لأنه كان مرسلاً رومانياً. كان مدبراً عاماً، عندما رقي الى درجة الاسقفية على حلب في 25 حزيران 1725، ودعي جرمانوس. كان راعياً يقظاً لا يعرف التعب. طوّر مدرسة حلب، ورفع مستواها، وأسس مكتبة فاقت كل مكاتب حلب والمدن الاخرى.
بلغ هذا العلاّمة من انتشار الذكر وبُعد الشهرة، في العلم والادب والشعر واللغة والنحو والوعظ والفضل والفضيلة والتاريخ، ما لم يبلغه الا أربابها. فقد خدم اللغة العربية، والبطريركية المارونية والرهبانية، خدمات جلّى، حتى قيل فيه: "لو لم تنجب الرهبانية الا جرمانوس فرحات لكفاها أجراً وفخراً عند الله والبشر". فقد جمع التقوى وسائر الفضائل الرهبانية الى جانب سعة العلم وغزارة الفكر، حتى دعي بحق: "أبا اللغة العربية ورائدها العظيم". أما مصنفاته، فقد توصل الخوري "مانش" الى احصاء 104 تصانيف. بعضها باللغة العربية، كبحث المطالب وبعضها في الطقسيات، كالسنكسار، والنوافير، وليتورجية رسم الكأس، والزياحات، وبعضها في اللاهوت والروحيات، كمختصر الكمال المسيحي وبستان الرهبان ورسالة المبتدئين في الرهبانية، وبعضها في التاريخ، كتاريخ الرهبانية وسلسلة الباباوات، وبعضها في المصحّحات: مثل تاريخ المجمع التريدنتيني، وميزان الزمان وعلم الذمة وغيرها.رقد بالرب في التاسع من تموز سنة 1732، وهو بعمر 62 سنة، ودفن في احتفال مهيب في كاتدرائية مار الياس في حلب.